محمد ابو زهره

64

خاتم النبيين ( ص )

وهنا نقف وقفة قصيرة ، فإن هذا الكلام يدل على أن زرادشت كان نبيا ، وأن ديانته ديانة سماوية ، وإلا ما اشتملت على هذه البشارات ، وما كان لها عندنا اعتبار ، لولا أصلها السماوي ، وكيف يتفق هذا مع ما يقال في كتب الفرنجة من أن زرادشت كان يدعو إلى القوة ، وإلى معاضدة الأقوياء ، وإفناء الضعفاء حتى وجدت فلسفة في أوروبا تدعو إلى إفناء الضعفاء . . وألا يكون لهم مكان في الوجود ، وذلك يتنافى كل المنافاة مع أخلاق النبوة السماوية ، وما تدعو إليه الأخلاق الإنسانية الكاملة ، فإن حق الحياة ثابت لكل الأحياء ، والضعيف لا يموت أو يبخع بحق قانون الأخلاق وقانون السماء ، ولكن يعاون ويعيش ، حتى يبلغ أجله . والجواب عن ذلك أن هذه النصوص موجودة فعلا في كتب الزرادشتية وهي تؤدى بمنطقها إلى أنها جاءت على لسان رسول في كتاب سماوي ، فقد وقعت الحوادث ، كما ذكرت ، فقد تضعضع الشعب الفارسي فعلا ، وأدخل أرضه العرب فعلا ، وكان الفارسيون حملة العلم الإسلامي الذي كان رحمة للعالمين . وذلك لا يكون إلا من وحى السماء . فليس لنا إلا أن نقول أن هنا رسولا ورسالة ، وكتابا ينطق بوحي الله تعالى . أما ما ينحل إلى زرادشت من أنه كان يدعو إلى القوة فإن كان يراد بها أن يكون المؤمن برسالته قويا في خلقه وعقله وجسمه ، فإن ذلك حق ، وهو يتفق مع مبادئ الأخلاق ، ورسائل الرسل ، وقد أثر عن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير » وليس في هذا ما يمنع أن يكون نبيا مرسلا ، داعيا إلى التوحيد ؟ وإن كان يراد أنه يغلب القوة على الحق فذلك باطل ، وتقوله أوهام الأوربيين وهو جدير بساستهم ، ولا نظن إلا أن فلاسفتهم الذين زعموا هذا قد حرفوا القول عن مواضعه ، كما حرفوا دعوة المسيح عليه السلام ، وادعوا له الألوهية وهو منها براء ، وما قال لهم إلا ما أمر الله تعالى به . وكذلك ما يزعمون من أنه أوجب إفناء الضعفاء ، إنه فيما نرى دعا أهل الإيمان إلى أن يدرعوا بالقوة ، وأن يعالجوا الضعيف ، لا أن يفنوا الضعفاء . وخلاصة القول في هذا المقام أن البشارات جاءت في هذه الكتب ، وهي صادقة فيما قالت ، وتنتج إثبات النبوة لمن وجدت في كتبه ، وليس لنا أن نطعن في صدق ما تنتجه ، لمجرد أوهام توهمها ناس ينكرون الواحدانية ، وادعوا على عيسى أنه إله ، أو أنه ابن الله ، فليس غريبا أن يدعوا على غيره ما دونها . وقد يقول قائل إن القران الكريم عندما ذكر الذين بشروا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يذكر هؤلاء ، بل ذكر أن الإنجيل فيه أن المسيح عليه السلام بشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد ، وذكر أن التوراة فيها محمد